أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
40
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
تقديرا ، تقول : « أنت ظالم إن فعلت » ، التقدير : إن فعلت فأنت ظالم ، وكذلك « وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ » ، التقدير : إن شاء اللّه نهتد ، فالذي يسوغ أن نقدره : إن أتاكم عذابه فأخبروني ماذا يستعجل منه المجرمون » . وقال الزمخشري أيضا : « ويجوز أن يكون « مماذا يستعجل منه المجرمون ، اعتراضا ، والمعنى : إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفع الإيمان » . قال الشيخ « 1 » : « أما تجويزه أن يكون « ما ذا » جوابا للشرط فلا يصح ، لأن جواب الشرط إذا كان استفهاما فلا بد فيه من الفاء ، تقول : « إن زارنا فلان فأيّ رجل هو ، وإن زارنا فلان فأيّ يد له بذلك » . ولا يجوز حذفها إلا إذا كان في ضرورة . والمثال الذي ذكره وهو : « إن أتيتك ماذا تطعمني » هو من تمثيله ، لا من كلام العرب . وأما قوله : ثم تتعلق الجملة ب « أَ رَأَيْتُمْ » إن عنى بالجملة « ما ذا يَسْتَعْجِلُ » فلا يصح ذلك ، لأنه قد جعلها جوابا للشرط ، وإن عنى بالجملة جملة الشرط فقد فسر هو « أَ رَأَيْتُمْ » بمعنى : « أخبروني » و « أخبروني » يطلب متعلقا مفعولا ، ولا تقع جملة الشرط موقع مفعول « أخبروني » ، وأما تجويزه أن تكون : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 51 إلى 52 ] أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ( 51 ) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ( 52 ) قوله : أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ . جوابا للشرط ، و « ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ » اعتراضا ، فلا يصح أيضا ، لما ذكرناه من أن جملة الاستفهام لا تقع جوابا للشرط إلّا ومعها فاء الجواب ، وأيضا ف « ثُمَّ » هنا هي حرف عطف يعطف الجملة التي بعدها على التي قبلها ، فالجملة الاستفهامية معطوفة ، وإذا كانت معطوفة لم يصح أن تقع جوابا لشرط . وكون « أَ رَأَيْتُمْ » بمعنى : « أخبروني » هو الظاهر المشهور . قال الحوفي : « الرؤية من رؤية القلب التي بمعنى العلم ، لأنها داخلة على الجملة من الاستفهام التي معناها التقرير ، وجواب الشرط محذوف وتقدير الكلام : أرأيتم ما يستعجل من العذاب المجرمون إن أتاكم عذابه انتهى . « فهذا ظاهر في أن « أَ رَأَيْتُمْ » غير مضمنة معنى الإخبار ، وأن الجملة الاستفهامية سدت مسد المفعولين » ، ولكن المشهور الأول . قوله : « ما ذا يَسْتَعْجِلُ » قد تقدم الكلام على هذه الكلمة ، ومذاهب الناس فيها ، جوّز بعضهم هنا : أن يكون « ما » مبتدأ ، و « ذا » خبره ، وهو موصول بمعنى الذي ، و « يَسْتَعْجِلُ » صلته وعائده محذوف تقديره : أي شيء الذي يستعجل منه أي : من العذاب أو من اللّه - تعالى - وجوّز آخرون كمكي وأنظاره أن يكون « ما ذا » كله مبتدأ ، أي : يجعل الاسمان بمنزلة اسم واحد ، والجملة بعده خبره . قال أبو علي : « وهو ضعيف لخلو الجملة من ضمير يعود على المبتدأ » . وقد أجاب أبو البقاء عن هذا فقال : « وردّ هذا القول بأن الهاء في « مِنْهُ » يعود على المبتدأ كقولك : « زيد أخذت منه درهما » . قلت : ومثل أبي علي لا يخفى عليه مثل ذلك ، إلّا أنه لا يرى عود الهاء على الموصول ، لأن الظاهر عودها على العذاب . قال الشيخ « 2 » : « والظاهر عود الضمير في « مِنْهُ » على العذاب ، وبه يحصل الرابط لجملة الاستفهام بمفعول « أرأيتم » المحذوف الذي هو مبتدأ في الأصل » . وقال مكي : « وإن شئت جعلت « ما » و « ذا » بمنزلة اسم واحد في
--> ( 1 ) أنظر المصدر السابق . ( 2 ) البحر المحيط ( 5 / 167 ) .